الخبراء و واقع الحال.

في أحد المزارع قام مزارع بوضع مجموعة من الثيران ضمن سور عالٍ من الأسلاك الشائكة ، ففكر أحد الثيران بالهرب من المزرعة بالقفز من فوق هذا السور اللعين ، وبدأ يسأل بقية الثيران عن كيفية الهرب و القفز فوق السور ، فدلوه على ثور كبير يجلس بعيداً تظهر عليه ملامح الحكمة ، فجاء إليه و سأله عن كيفية الهرب واجتياز السور علّه يحصل على مُراده، فأجابه  الثور الكبير بثقة بالغة:

ابتعد عن السور مسافة لاتقل عن ١٠٠ متر ، و اجر بسرعة لاتقل عن ٧٠ كم في الساعة ، و اقفز على السور بزاوية لاتقل عن ٦٠ درجة ، عندها ستتحقق رغبتك بالهروب و ستجد نفس في الخارج.

فقال الثور :

لو فرضنا أني أخطأت في الحسابات كالسرعة أو الزاوية أو المسافة عندها سأكسر وأشل ، فماذا أفعل حينها.

فقال له الثور الجالس :

عندها ستجلس بجانبي و تصبح خبيرا.

للأسف الشديد هذا حال كثير من الخبراء و المستشارين في الشركات الاستشارية التي تعمل كوكالات الفرنشايز،  كلام كبير وحديث عن المعايير والمقاييس العالمية والمقارنات وعبارات رنانة وتنظير فارغ دون أي خبرة حقيقية وغياب لأي نجاح أو إنجار على أرض الواقع ، تجده يتكلم عن إدارة المشاريع وأفضل المنهجيات والممارسات العالمية وهو لا يملك في رصيده إدارة مشروع ناجح لبقالة، يعمل على مشروع لخدمة معينة  فيتكلم عن مستوى الخدمة ومؤشرات قياس الأداء ورضى العملاء وتطوير تجربة المستخدم وهو نفسه لايملك هذه المعايير لمشروعه الذي يديره، فيعمل على رسم استراتيجية لإحدى الشركات وهو لايملك أي معرفة بأعمال هذه الشركة، و القطاع الذي تعمل فيه  ولم يشارك بالعمل على رسم أي استراتجية ماعدا بعض الدورات وورش العمل التي حصل منها على بعض المصطلحات التي يتمنطق بها في كل مكان،  فـتجدهم يهرفون بما لايعرفون ويقولون ما لا يفعلون ،  والأنكى من ذلك تجد بعض هؤلاء الخبراء حديثي التخرج في رصيدهم مجموعة من الشهادات الاحترافية العالمية التي غدت جزءًا من البرستيج الخاص بهم، بالإضافة إلى التكلف المبالغ فيه في المظهر على حساب المضمون ، فتجدهم عند فشل أي من هذه المشاريع ينسب الفشل لآليات التطبيق والعمل وفريق عمل الشركة والتي تحتاج للتغيير وعرض مشروع استشاري جديد ، المشكلة الأكبر أن البعض يتعامل مع مخرجات هذه الشركات ككتاب مقدس يجب أن يطبق بحذافيره دون المساس به على اعتبار ماجاء به من المسلمات التي لا تخالف.

و على النقيض من ذلك لا تزال تجد بعض الشركات التي تلتزم بأعلى المعايير في التوظيف والمخرجات التي تعمل باحترافية عالية ولا تقبل بتقديم أي تنازلات أو انحراف عن مستوى الخدمة المأمولة ، والتي ساهمت  بنمو وتطوير كثير من الأعمال على مستوى المنطقة والعالم ، حيث تجد المتعطشين للمعرفة يتنتظرون التقارير والدراسات الدورية التي تصدر من هذه الشركات للاستزادة منها.

نحتاج حقيقةً إلى أن تعيد هذه الشركات التي تعمل في الخدمات الاستشارية النظر في عملية التوظيف من خلال استقطاب الكفاءات الحقيقة المناسبة للتخصص الذي تعمل به والتركيز على الخبرات العالية للخبراء وللمستشارين و التي تساهم في رفع الموثوقية بها واستعادة ثقة السوق،  كما نأمل أن تأخذ الشركات الاستشارية بعين الاعتبار الخصوصية لكل منطقة جغرافية، فما يصلح في اليابان قد لايصلح في الشرق الأوسط وذلك لاختلاف ثقافة الأعمال والأسواق وطبيعة الحياة ، كذلك عدم استخدام القوالب الجاهزة و محاولة تطبيقها على الواقع التي ستكون عبارة عن صوت نشاز وسط جوقة موسيقية ، كما يجب أن تساهم في صنع نماذج العمل الخاصة بنا بلمسة عالمية نستفيد فيها من تجارب الآخرين و نطور عليها بما يتناسب مع ثقافة واحتياجات ومتطلبات أعمالنا والمساهمة في تطوير كوادر وطنية قادرة على العمل في قطاع الاستشارات من خلال الاحتكاك مع الخبرات العالمية التي ستضفي عليها بصمة خاصة.